الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

233

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ممّ خلق ليعلم أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول . فهذه الفاء مفيدة مفاد فاء الفصيحة . والنظر : نظر العقل ، وهو التفكر المؤدي إلى علم شيء بالاستدلال فالمأمور به نظر المنكر للبعث في أدلة إثباته كما يقتضيه التفريع على : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [ الطارق : 4 ] . و ( من ) من قوله : مِمَّ خُلِقَ ابتدائية متعلقة ب خُلِقَ والمعنى : فليتفكر الإنسان في جواب : ما شيء خلق منه ؟ فقدّم المتعلّق على عامله تبعا لتقديم ما اتصلت به من ( من ) اسم الاستفهام . و ( ما ) استفهامية علّقت فعل النّظر العقلي عن العمل . والاستفهام مستعمل في الإيقاظ والتنبيه إلى ما يجب علمه كقوله تعالى : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ عبس : 18 ] . فالاستفهام هنا مجاز مرسل مركب . وحذف ألف ( ما ) الاستفهامية على طريقة وقوعها مجرورة . ولكون الاستفهام غير حقيقي أجاب عنه المتكلم بالاستفهام على طريقة قوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [ النبأ : 1 ، 2 ] . و الْإِنْسانُ مراد به خصوص منكر البعث كما علمت آنفا من مقتضى التفريع في قوله : فَلْيَنْظُرِ إلخ . ومعنى دافِقٍ خارج بقوة وسرعة والأشهر أنه يقال على نطفة الرجل . وصيغة دافِقٍ اسم فاعل من دفق القاصر ، وهو قول فريق من اللغويين . وقال الجمهور : لا يستعمل دفق قاصرا . وجعلوا دافقا بمعنى اسم المفعول وجعلوا ذلك من النادر . وعن الفراء : أهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلا ، إذا كان في طريقة النعت . وسيبويه جعله من صيغ النسب كقولهم : لابن وتأمر ، ففسر دافق : بذي دفق . والأحسن أن يكون اسم فاعل ويكون دفق مطاوع دفقه كما جعل العجاج جبر بمعنى انجبر في قوله :